روايات خالدة
" الجميلون منهم لم يولدوا بعد "
«نحن لسنا أبناء الأمس. وإفريقيا لأبنائها السود جميعا، ولكن ليس من خلال الجريمة، أو السرقة، أو العنف أو أية خديعة أخرى، فهذه دائما وأبدا أرضنا ومنها بدأنا»، قول للروائي الإفريقي الغاني آي كوي أرماه، الذي يعتبر من أهم رواد الأدب في إفريقيا ومن الجيل الثاني بعد شينوا أشيبي وولي سوينكا.
ينحدر أرماه الذي ولد في مدينة سيكوندي عام 1939 من عائلة رئيس قبيلة «غا»، وتلقى تعليمه في أهم مدرسة في غانا آنذاك، لينتقل بعد حصوله على منحة إلى مدرسة غورتون في الولايات المتحدة، والتحق بعدها بجامعة هارفارد وتخصص في علم الاجتماع. سافر بعد تخرجه إلى الجزائر وعمل كمترجم في مجلة «الثورة الإفريقية».وفي عام 1964 عاد إلى وطنه وعمل ككاتب سيناريو في تلفزيون غانا ودرّس اللغة الانجليزية في إحدى المدارس. وعمل في باريس عام 1967 كمحرر في إحدى المجلات، وبعد مضي عام سافر ليدرس في جامعة كولومبيا وحصل على ماجستير في الكتابة الإبداعية عام 1970. ومن أميركا إلى شمال أفريفيا، حيث درّس في إحدى جامعات تنزانيا، ثم استقر في السنغال.
بدأ مهنته ككاتب عام 1960، بنشره قصائد وقصص قصيرة في مجلة «أوكييمي» ومجلات أخرى في غاننا. أول رواية كتبها كانت بعنوان «الجميلون منهم لم يولدوا بعد» ونشرها عام 1986، وتبعها بروايته «أجزاء» عام 1971 التي يعيش بطلها باكو الذي درس في الولايات المتحدة، وعاد إلى غانا ليواجه صراعا عنيفا، ومع فشله في تحقيق أحلامها ينهار.
يتناول أرماه في روايته «الجميلون منهم لم يولدوا بعد» التغير الذي واجهته غانا بعد الاستقلال واستلام أهل البلد الأفارقة الحكم. وهذا التغير شمل كافة الصعد من الجانب الاقتصادي إلى الأخلاقي فالسياسي. ومن خلال بطل قصته الذي لا يحمل اسما يدخل القارئ إلى واقع هذه التغيرات.
وتدور أحداث العمل خلال الفترة من 1965 إلى 25 فبراير 1966، الذي يصادف اليوم التالي لسقوط رئيس غانا الأول كوامي نكروماه. وتصف الرواية حال الواقع في ظل حكومة ذاك الرئيس الذي افترض النهج الاشتراكي نظريا. ويتجلى من خلال الحياة اليومية للبطل حالة الفساد التي تسود الحكومة والمجتمع.والعمل ينقسم إلى جزأين، الأول تجري أحداثه ببطء شديد، وترصد الروتين اليومي الرتيب لحياة البطل، ابتداء من ركوبه الباص في الصباح متوجها إلى عمله كموظف في إدارة سكة القطار، إلى أجواء العمل المملة في تفاصيلها.
ومن ثم عودته إلى البيت عبر طرقات تفوح منها روائح كريهة هي مزيج من مخلفات الإنسان والنفايات المنشورة على قارعة الطرق. في العمل، يعرض عليه أحد الحطابين رشوة لكنه يغادر خائبا، لتنهال على البطل انتقادات زملائه لرفضه فرصة كفيلة بتحسين وضعه المالي. وفي البيت تستقبله زوجته أويو بالتأنيب واللوم وتتهمه بالأنانية لعدم اهتمامه بتحسين وضعهم العائلي أسوة بالآخرين من أقارب وجيران. وتعرب عن استنكارها لرضاه بعيش أولادهم على الكفاف من دخل راتبه الذي لا يكاد يكفي احتياجاتهم.
كان البطل يهرب من تلك المشادات إلى بيت صديقه المدرّس المتقاعد الذي يعيش وحيدا مع أفكاره المثالية. كان البطل الصديق أو المستمع الوحيد لمونولوجات الأستاذ الذي يعيش خيبة مماثلة.
وحواراتهما تتمركز دوما حول فشل الحكومة الجديدة التي هي نسخة مطابقة للاستعمار، والتغير الوحيد تمثل في لون جلدة الحكام. يعود البطل إلى بيته وهو يشعر بدهشة من تبدل القيم والمثل في مجتمعه، حيث بات من يتمسك بالنزاهة شخصية ضعيفة في نظر المجتمع، وفي الوقت نفسه يعاني من تأنيب الضمير لعدم رضوخه لمنظومة القيم الجديدة الكفيلة بتأمين عيشة هانئة لأسرته.
يزوره في أحد الأيام صديقه القديم جوزيف كومسون الذي بات وزيرا، برفقة زوجته إيستيلا. تستقبلهما الزوجة أويو بحفاوة كبيرة، وترحب بالمشروع الاستثماري الذي طرحه كومسون على صديقه وعليها، والمتمثل في عملها مع والدتها في الصيد من خلال تقديمه لهما القارب.
وبالطبع يدرك البطل أن الهدف من تلك المساعدة ما هو إلا وسيلة لتغطية الأموال غير المشروعة التي يكسبها صديقه كومسون. يناقش الزوجان العرض ويوافقان، وبعد تردد يذهبان إلى بيت الوزير الذي يعيش في منطقة الأثرياء لتوقيع الأوراق.
يصل الكاتب إلى ذروة الحبكة بصورة مفاجئة، حيث تسقط الحكومة ويفقد كومسون كل شيء، فيلجأ إلى صديقه القديم متخفيا قبل القبض عليه. ولا يتردد الصديق في مساعدته على الهرب من الباب الخلفي لبيته لدى قرع القوات العسكرية على بابه.
والمخرج الوحيد لهما، كان عبر فتحة حفرة مجاري البيت. وهكذا تسللا عبر البراز والبول حتى وصلا إلى الشاطئ، ومن هناك ركبا قارب الصيد الذي منحهما إياه.
وبعد مسافة يعود البطل سباحة إلى الشاطئ، وهو يشعر بالسعادة والرضا ولأول مرة يرى جمال البحر والسماء، وحينما يصل بيته تنظر إليه زوجته لأول مرة أيضا بتقدير واحترام. لكن سرعان ما يغادره الإحساس بالحبور حينما يتخيل عودته إلى روتين حياته اليومية الثقيل، فهو يدرك أن الحكومة الجديدة لن تختلف عن سابقتها.
الكتاب: الجميلون منهم لم يولدوا بعد
تأليف: آي كوي أرماه
" رشا المالح "